‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 12 مارس 2009

قصيدة التناقض والعزلة




قصيدة التناقض والعزلة


قراءة في قصيدة النثر السعودية


د. أيمن بكر







1- مدخل لجماليات قصيدة النثر
نحاول أن نقترح هنا مدخلا لمقاربة جماليات قصيدة النثر، وأود الإشارة إلى تنكير كلمة "مدخل" في الجملة السابقة؛ حيث لا يظن الباحث أن ما سيتم تقديمه هنا هو "المدخل" الأصح أو الأفضل.
يبدو لي أن طبيعة إدراك العالم لدى جيل من شعراء قصيدة النثر، يمكنها أن تمثل منطلقا محتملا للتعرف على ما يميز القصيدة من جماليات تبدو عصية على الكثير من الباحثين حتى يومنا هذا. إدراك العالم؛ أعني به تحديدا الطريقة المخصوصة التي يستخدمها الشاعر في فهم العالم: ظواهره وعلاقاته وقوانينه الاجتماعية..الخ، تلك الطريقة التي على أساسها يتفتح العالم في وعي الشاعر ثم يتجلى في النص الشعري. بعبارة أخرى: ما مميزات أسلوب الوعي الذي يستخدمه كثير من شعراء النثر في إدراكهم للعالم؟ وكيف يتجلى هذا الأسلوب في النص الشعري؟.
من الواضح أن هناك افتراضات ضمنية ينطلق منها البحث، أهمها افتراض وجود علاقة بين أسلوب الوعي بالعالم وجماليات النص الشعري، وهو الافتراض الذي يبدو أن البحث كله يقوم عليه.
ولكن من أين سيبدأ الباحث؛ هل من الوعي إلى النص أم العكس؟ أحسب أن مثل هذا السؤال لا يليق مع حالة التعقد التي سيصف بها البحث وعيَ شعراء النثر الذين تعرضت لهم؛ حيث لا يمكن للحركة النقدية أن تتخذ طريقا أحادية من أ إلى ب؛ كأن يتحرك الناقد من الصورة الشعرية إلى العالم، أو من العالم إلى النص الشعري. المقاربة يجب أن تتمتع بدرجة من التعقد تتوافق إلى حد ما مع درجة تعقد الوعي المطروح في النص الشعري النثري. من هنا ستكون الحركة أشبه بخارطة أطلب من القارئ أن ينظر إليها كلها في لحظة واحدة؛ أي ألا يركز عينيه على مساحة منها مهملا باقي تفاصيلها. إنها محاولة نقدية تسعى لأن تكون تجريبية.
ولكن التجريب - في النقد خاصة - لا يعني غياب القواعد الاتفاقية بين الباحث والقارئ؛ حيث يجب أن يعلن الباحث منهجه في القراءة حتى يمكن أن يقوم اتفاق بينه وبين القارئ على أسلوب التحليل، بغض النظر عن أي نقد يمكن أن يقدمه القارئ لهذا المنهج بعد ذلك.
وطريقة التحليل التي سأتبعها لن تحاول تقديم كل شيء ممكن في النصوص التي أقف عندها بالتحليل، بل سيكتفي البحث في فقرته الأولى - الخاصة بالتركيب التناقضي للصورة – بالوقوف عند الصور أو التكوينات التصويرية التي تعبر عن الفكرة البحثية المطروحة، في حين سيحاول في الفقرة الثانية –الخاصة بفكرة العزلة- أن يدخل إلى حيز التأويل مفيدا قدر الممكن من تحليلات الفقرة الأولى.


2- تعقد الوعي/ تناقض الصورة
أحسب أن وعي شعراء قصيدة النثر الذين تعرضت لهم في المملكة العربية السعودية يمتاز بدرجة لافتة من التعقد الإيجابي في إدراكه للعالم، وأخص حال التراكب الفكري والشعوري تجاه الأشياء والظواهر بما يمنع من سيطرة إحساس أحادي عليها. أتحدث هنا تحديدا عن أشياء وظواهر متفق عليها ثقافيا بصورة أحادية نهائية ومريحة. لا أحد منا يستخدم كلمة الوحوش في سياق إيجابي، جميعنا يحملها دلالة أحادية نهائية وسلبية بالضرورة، لكنها لدى أحمد كتوعة توضع في تركيب يربك هذه الأحادية الدلالية ويهز اليقين الساكن خلفها يقول كتوعة في قصيدة جرف:
طريق البيت
وحوش مقمرة
ووحشة مستأنسة (
[1])
كيف يمكن أن تكون الوحوش مقمرة، القمر هو الضوء، كما أنه مرتبط في تاريخ القصيدة العربية بالحبيبة التي تمثل مصدر إنارة لحياة المحب وروحه، هنا يلتصق الوصف "مقمرة" بالوحوش، ويبدو هذا الجمع بين مفهومين متناقضين على مستوى الثقافة فاتحا لمساحة تساؤل واسعة: هل يمكن حقا أن تكون الوحوش مقمرة؟ والإجابة: نعم، فنحن ملتزمون بالواقع النصي، وغايتنا هي مقاربته لا إنكاره. الوحوش مقمرة في قصيدة أحمد كتوعة لا شك. والسؤال التالي يبدو لي هو الأهم: كيف تكون الوحوش مقمرة؟ هنا يمكننا التحرك خارج النص إلى الثقافة والوعي كليهما.
الوحوش مفهوم ثقافي/ اجتماعي، وتجدر الإشارة إلى أن كلمة الوحش على المستوى المعجمي لا تتطابق مع الحيوان المفترس، فكل حيوان أهمل حتى أصبح غير أليف أو مستأنس هو وحش، حتى إن كان غزالا. الوحوش أيضا مفهوم غير أحادي، ولكنه معقد بطريقة أخرى على مستوى الثقافة المعاصرة. فالوحش دائما مصدر للفزع، والقبح، وتهديد الحياة، وهو كذلك كيان تشكله الخرافة بأكثر مما تتدخل في صياغته خبراتنا المباشرة (فقد انتهت علاقتنا المباشرة بالوحوش منذ قرون طويلة). الوحوش إذن مفهوم ثقافي خرافي أكثر من كونه مفهوما اجتماعيا نتج عن خبرة حياتية مباشرة. ولذلك فهو مفهوم ينتمي لمساحة المستقر المفهوم بصورة نهائية.
هنا يأتي التناقض في تكوين الصورة ليربك هذا الاستقرار المفاهيمي، وليفتح احتمالا ترى الثقافة أنه مغلق؛ احتمال أن تكون الوحوش مقمرة.
يمكن للصورة التالية أن تساعدنا في فهم هذا التركيب المقلق، حيث يربط الشاعر بين الوحشة والاستئناس. وهو ربط غير منطقي، ويبدو قريبا في غرابته من علاقة الوحوش بالقمر. فمنذ متى كانت الوحشة التي هي ضد الاستئناس أليفة. الوحشة هي انتفاء الاستئناس والاستئناس هو الألفة والأريحية والاطمئنان، وكلها معان تبدو نقيضا للوحشة وغير قابلة للاجتماع معها. أليست الصورة مربكة بالقدر نفسه الذي تكون به الوحوش مقمرة؟
يبدو أننا أمام وعي معقد ويستخدم تعقده في مناوشة الثقافة السائدة وإقلاقها. كأن الشاعر يقول: أنا قادر على أن أرى في الوحوش مصدر إنارة، وأستطيع أن أكتشف في الوحشة نقيضها. أو كمن يقول: لا سبيل للقبول بالتصورات الأحادية المستقرة والنهائية حول الأشياء والمفاهيم، تعالوا إلى طريقة أكثر عمقا يمكنها أن ترى في الشيء نقيضه، وأن تدرك في الظاهرة أبعادا مختلفة.
نحن هنا أمام حالة رفض جمالي للمبتذل الشائع المستقر، وهو ما يتناقض مع التصور الرائج عن قصيدة النثر أنها تركز على التفصيلي واليومي والعادي. هناك فروق مراوغة فيما أستخدمه من مفردات؛ فليس المبتذل الشائع المستقر هو نفسه التفصيلي اليومي العادي، لكن القراءة السريعة قد تساوي بينهما، فشعراء قصيدة النثر يستخدمون العادي واليومي من المفردات والمشاهد والأفكار والتعبيرات، لكن مبتعدين عبره عن الشائع والمستقر والمبتذل.
يبدو لي أن النص الشعري نفسه على وعي بالفرق بين اليومي والتفصيلي من جهة وبين الباهت والسطحي والتقليدي والشائع من جهة أخرى. يقول إبراهيم الحسين:
كلمات مثل: روح، عندما
وأخرى...
صرت – مؤخرا – أطاردها
في المضائق
حتى تصبح بعيدا خارج الورقة
كلمات أخرى تقف بعيدا
بقرونها تنظر إلى الطرائد
فلا تجرؤ على الاقتراب (
[2])
الشاعر يصف حالة الكتابة، لكنه يصفها عبر رغبة عميقة في تحقيق المغايرة للسائد والمستقر والشائع، إنه يحاول وصف حالة الرفض للمبتذل المكرر الباهت والسعي لتخليص القصيدة منه، وفي الوقت نفسه حماية النصوص (الطرائد) من الوحشي الغريب الصادم. يبدو أنني لم أستطع تجنب التأويل في محاولة إثبات الفكرة، هل كان بإمكاني تجنبه؟
يمكن التمثيل لهذا الوعي المركب الذي يجمع تناقضات مربكة للسائد في نص إبراهيم الحسين "أي عيد". يقول:
في العيد
نزين الدار
فنعلق الجروح
وننطلق إلى ظل الحلم (
[3])
ما أود الإشارة إليه هنا هو التناقض الذي يبدو طبيعيا بين العيد والزينة من جهة والجروح من جهة أخرى. هل يمكن أن تصبح الجروح زينة؟ وهل يمكن ألا تكون زينة العيد في وعي لا يرى في الأشياء جانبا واحد، بل لعله يسعى طوال الوقت ليصدم ثقافته الراكدة بما يراه من إمكان التناغم – وربما التكامل - بين الأضداد؟ هكذا يمكن التعامل مع تراكيب من مثل: مرارة طازجة/ ذباب أنيق/ الثياب المبللة بالحكمة والحماقات/ الضياء حائط (
[4])
لكن التناقض قد يكون على مستوى صورة أوسع، ربما يتشكل التناقض المتراكب على مستوى مشهد تصويري أكثر تعقيدا. لنقرأ هذا المشهد لدى محمد الحرز:
على الطاولة ثمة كهف
قابع لا زال
يعد مائدة الظلام
للجالسين .. لكن
كيف استحال الجالسان
نجمتين مضيئتين؟! (
[5])
أين التناقض المنسجم هنا؟ يبدو لي في حالة الامتزاج الفذ بين الظلام والضوء في حالتيهما القصوى؛ الكهف يمثل حالة قصوى للظلام، ثم يتحول الجالسان نجمتين ممثلين بذلك الحالة القصوى للضوء، كلاهما مجتمع حول مائدة، بحيث يبدو أن الظلام ينسكب انسكابا من الكهف بما يكاد يغمر كل ما يحيط به، هنا تبزغ النجمتان، كأنهما كيانان مضيئان في قلب الكهف أو في قلب الظلام المنسكب منه، أليس هذا هو الوضع الطبيعي للنجوم؟ ألا تتواجد دوما في قلب ظلام دامس؟ أليس هذا اجتماع متجانس للمتناقضات، يمر علينا دون أن نراه كذلك؟ على القارئ الآن أن يدرب خياله كي يتعامل مع هذا الحضور الفذ في تناقضه وانسجامه.
التناقض ليس مقصورا على حالته الحادة التي توقفت عندها فيما سبق سواء في الصورة المفردة أو في المشهد الأكثر تراكبا، بل لعل التناقض مخبوء في المنطق الذي يطلب منك النص أن تتبناه كقارئ في تعاملك مع عالم القصيدة؛ بعبارة أخرى، قد يكون التناقض قائما بين ما يراه النص طبيعيا أو بعضا من طبيعة الأشياء في العالم، ويطلب منك أن تراه كذلك –على الأقل في لحظات قراءتك للنص – وبين ما تراه أنت طبيعيا استنادا إلى منطق العالم المعيش كما درجنا على تعلمه. التناقض هنا هو حالة تسم وجود الأشياء ولا غرابة فيما يراه الشاعر توافقا بين عناصر الكون التي تبدو لنا متناقضة لا اجتماع بينها إلا في حالة الصراع. التناقض إذن موجود وغير موجود؛ موجود كحالة وعي وأسلوب تفكير، وغير موجود في العالم كما يراه وعي شعراء قصيدة النثر، الوعي الذي يشتركون فيه مع كثير من الفلاسفة(
[6]).
التناقض الذي تناولته الفقرة السابقة يخفي تناقضا آخر مع السائد ورغبة في التحرر من قيوده المجتمعية والفكرية والسياسية، والقصيدة بطبيعتها الجمالية تحاول أن تصنع إرباكا للرؤى المستقرة التي تدعم الكيانات الفكرية والجمالية القائمة. لكن ألا يمكن أن نرى في هذا الإرباك نوعا من التحرر؟ ألا تعد مناقضة السائد المستقر محاولة لتحرير الوعي من الركود والتعفن تحت وطأة كل ما هو متكرر من صور شعرية ومن تصورات عن العالم والحياة من حولنا؟

3- العزلة/ سمة جيل
المناقضة التي يستشعرها هذا الجيل هي سبب في العزلة ونتيجة لها في آن، البداية هنا غير معروفة: أيهما قاد إلى الآخر؛ هل العزلة قادت للتناقض مع الثقافة المحيطة، أم أن التناقض هو نقطة البداية وهو ما قاد إلى العزلة؟ أحسب أن الأمر مزيج معقد من الحركتين معا، فشعراء هذا الجيل لم يبدءوا واعين بتناقضهم تماما وكذلك لم ينشئوا في عزلة مفروضة عليهم، بل لعل الأقرب أنهم حملوا بذور التناقض والعزلة معا، فكان كل منهما غذاء للآخر، ولنتخيل حركة الوعي لديهم بهذه الطريقة: أعي قدرا من التناقض مع المحيط الذي أعيش فيه، ولعل قليل من العزلة يفيد في فهم هذا التناقض وإزالته. ثم إن العزلة تكشف عن درجة أعلى من التناقض الذي يقود بدوره إلى مستوى أعلى من العزلة.
لكن كيف يمكن للعزلة أن تتجسد في النص؟ ما أشكال حضورها؟ وكيف يؤكد هذا الحضور حالة التناقض؟
هناك صورة مباشرة للعزلة تستخدم المفردة نفسها "العزلة" وهذا الحضور المباشر لا يعني أن الطرح الجمالي مباشر أيضا، بل لعل هذه المباشرة تحاول أن تمثل صدمة للشعور المستقر بالاندماج والتأقلم. يقول أحمد كتوعة في قصيدته "عزلة"
الغريب
الذي يمطر وجهه الكآبة تحت سقف المدينة المضاء
معتبرا احتساءه الصلابة جزءا من طقسه العادي
يستند وقفا على مشاغله الصغيرة وينظر في البعيد
ليكنز شيئا من الدفء
يحتمي بعزلته (
[7])
العزلة ليست أمرا مبهجا، إنها وليدة الغربة، أو هي نتاج حتمي لها، الغربة سبب في الكآبة والبرد، واحتساء الصلابة هو جزء من شروط العيش، لكن العزلة تبدو الخيار الوحيد أمام الغريب، إنها الشيء الوحيد الذي يمثل حماية له. العزلة أمر حتمي لا سبيل لتجنبه، كما أن الاغتراب أمر حتمي لا سبيل لنفيه.
مفردة العزلة تظهر أيضا في عنوان قصيدة شريف بقنة "مدن العزلة"، يقول في بدايتها:
موسيقى تغسلني في الليل
كائنا كونيا
كل يوم عنده
عالم بأكمله
أولد في أوله
وأموت عند ساعة الصفر
أرمي برباط عربتي إلى النجوم
لو أكتفي بهذه الأرض
وأترك ذلك الكون مخذولا في صدري(
[8])
بداية القصيدة تعلن موقع الشاعر على خريطة الكائنات، هو لا يستطيع سوى أن يحيا في كونه الخاص، لا يمكنه سوى أن ينظر إلى السماء بعيدا عن الأرض التي لا يقدر على الاكتفاء بها، العزلة والكون الخاص الذي يخلقه الشاعر هو ملاذه وملجأه الوحيد.
وكذلك تتردد مفردة العزلة دوما منسوبة إلى ذات الشاعر أو الصوت التخييلي في القصيدة كما في قصيدة حمد الفقيه "على طريقة لوركا حين يقول:
لكنني لست لوركا
لأقرع نوايا الآخرين بعصا حدسي
ولعل الأمر يعود في هذا إلى أنني علقت جسدي بسقف العزلة
لأذهب مع كل هبة حتى أقاصي الحنين(
[9])
إنه يرفض فرض حدسه/ وعيه/ شعوره على العالم وهو على وعي بسبب رفضه؛ إنه معلق بسقف عزلته، وهو من فعل ذلك، العزلة اختيار مميز.
هل يمكننا الآن القول بأن الشعور بالعزلة والاغتراب هو جزء مكون - وربما معرِّف - لتجربة شعراء قصيدة النثر، إنه حاضر بدرجة عالية من الحدة أظنها تتيح لنا أن نجعله سمة مميزة لقصيدة النثر لدى هذا الجيل. صحيح أن الغربة والمنفى والعزلة هي معان متكررة عبر تاريخ الشعر العربي، لكن أحدا – بما في ذلك شعراء التفعيلة- لم يجعل العزلة الناتجة من الاغتراب هي الملجأ الذي يحتمي به كما فعل كتوعة ومجايليه.
يقول عيد الخميسي في قصيدته "بقع":
التي ظلت تنجب أطفالا موتى لفترة طويلة
ظل زوجها يذهب بلفافات الأرواح البيضاء إلى المسجد
ثم يدفنهم بالمقبرة ويتلقى التعازي
لفترة أقل
منذ المرة الثالثة كانت التي ظلت تنجب أطفالا موتى
تدفن أطفالها في ذات المكان الذي اغتسلت فيه طفلا
لم يلحظ الأنين ولا البقع غير المنتظمة في (صبة) الحمام...
كما لم يلحظها المستأجرون الجدد بعد ذلك
هذا نص مشكل؛ عن أي شيء يتحدث؟ وما المعنى الذي يريد توصيله لنا؟ وبداية أحسب أن هذا النوع من التساؤلات هو بداية خاطئة لمقاربة مثل هذه النصوص. وبغض النظر عن قصدية الشاعر التي ستظل حبيسة صدره، نحن أمام تكوين لغوي تصويري إيحائي يتعين علينا أن نبذل الجهد للتواصل مع محتوياته الجمالية/ الشعورية/ الفكرية..الخ.
نحن أمام تصوير لامرأة ظلت تنجب أطفالا موتى، لكن زوجها الذي مل الذهاب بجثثهم إلى المسجد ثم إلى المقابر، يتوقف عن ذلك، فتلجأ هي إلى أن تدفن أطفالها في "ذات المكان الذي اغتسلت فيه طفلا" هذا خروج للحياة من المكان نفسه الذي أصبح يقطنه الموت. لكن كيف يمكن تأويل ذلك في حدود أفكار العزلة والاغتراب؟
أحسب أننا أمام حالتين: الأولى هي حالة اعتياد كوارثي شديد القتامة لأم تدفن أطفالها باستمرار، ولا تتوقف مع ذلك عن الإنجاب، هذه الحالة تتناغم مع حالة الذهول والغفلة التي تميز سكان المكان الذين لم يلحظوا "الأنين ولا البقع غير المنتظمة في صبة الحمام" كما لم يلحظها الطفل الذي يشير إلى الذات التخييلية المتكلمة في القصيدة. هذه حالة موت اعتاده الجميع ولم يعد أحد ينتبه لعلاماته، الجميع مستقر دون التفات للأنين ولا للتعرجات الخفيفة في أرضية الحمام. الأحياء الذين يقطنون المكان يتمتعون بالبلادة والقسوة والغفلة، إنهم في النص صامتون منعدمي الملامح لا يصدرون أي صوت، في حين توصف الأرواح الصغيرة للموتى بأنها بيضاء، وهم مع موتهم يصدرون أنينا لا ينتبه له من يفترض فيهم أنهم أحياء. من الميت هنا: هل الأطفال أم سكان المكان؟
في المقابل هناك وعي شعري يكشف عن الموتى الأحياء الذين يصدرون أنينا لا ينتبه له أحد، وعن الأحياء الموتى الذين يقطنون المكان. وعي شعري كان جزءا من حالة الاعتياد والخمول والبلادة، حين كان طفلا (حيث أظن الضمير يعود في قوله "لم يلحظ.." على المتكلم حال كونه طفلا) لكن هذا الوعي هو من يقف الآن منتبها لما يحدث ولا يراه أحد.
هل يمكننا أن نخرج من هذا التشابك الجمالي باختزالات دلالية؟ الشاعر هنا يرسم حالة شعورية يمكنها أن تنطبق على ثقافة/ أمة/ واقع/ تقاليد/ أعراف..الخ ثم هو ينعزل عن هذه الحالة ليرى ما لا يلحظه المنغمسون فيها. العزلة هنا هي عزلة رؤية ووعي وهي ناتجة عن التناقض مع المجموع المستقر وغير القادر على الإحساس كما يصفه النص. صحيح أن التصوير قاتم ومكئب لأم/ أمة/ ثقافة أطفالها موتى، وسكانها لا ينتبهون لموتهم، لكن هذا التصوير القاسي يصف وقع الثقافة المستقرة والمسيطرة جماليا وفكريا على وعي الشاعر بما يبرر عزلته.
الشواهد جمة على حالة العزلة التي يولدها الاغتراب، ولعل وجود هذه المساحة في وعي الشعراء أدت إلى تركيز جانب من القدرات التخييلية والتصويرية لديهم على محاولة تجسيد العزلة وما يكمن خلفها من أحاسيس الاغتراب والانفراد. من هنا يبدو من الممتع للناقد أن يتتبع كيفيات تشكل هذه الحالة ضمن قصائد عدد من شعراء النثر.
وسأقف عند العزلة والاغتراب المسبب لها بوصفهما من أسباب وقوف شعراء قصيدة النثر عند الهامشي والتفصيلي من مفردات الحياة، المفردات التي طالما تعالى عليها رواد شعراء التفعيلة المهمومون طول الوقت بالمعاني الكلية والقيم العظيمة والمجردة.
يقول إبراهيم الحسين في قصيدة بعنوان "منشفة":
منتصف الليل يبدأ
أقبض على منشفة كبيرة
أمسح نوافذ المدينة كلها
أعود إلى غرفتي
ألقي جسدي إلى مقعده
لصق النافذة
أواجه هذا الليل وحيدا
بانتظار الصيحة (
[10])
ويبدو لي أن اختيار الشاعر لعنوان القصيدة "منشفة" يحمل أهمية خاصة، فالعنوان هنا جزء من القصيدة، إنه يركز انتباه القارئ على إحدى مفردات النص بوصفها مفردة مهمة، كمن يقول للقارئ: انتبه ياعزيزي؛ فالمنشفة التي سيأتي ذكرها في القصيدة ليست شيئا عابرا، وعليك الانتباه لها. حسنا.. ما الذي تفعله المنشفة في النص؛ إنها تمسح نوافذ المدينة كلها، وإن شئنا الدقة؛ يمسح بها القائل التخييلي في النص نوافذ المدينة، ثم يعود إلى نافذته وحيدا. ما أهميتها إذن؟ ما أظنه هو أن هذا الكائن الوحيد بصورة ملحوظة، يمر على النوافذ ليجلوها مانحا الفرصة لنفسه وللآخرين في الوقت ذاته لكي يرى كل منهما الآخر، إنه كائن مغترب، يتخذ خطوة إيجابية في محاولة كسر عزلته، ثم يجلس بانتظار صيحة ربما كانت صيحة ديك الصباح المؤذن عن وجودٍ آخر يمكنه كسر العزلة.
وبعيدا عن التأويل، هناك حالة من العزلة التي تمت صياغتها عبر تصوير مدينة زجاجية تبدو في النص صامتة، لا يجرح صمتها هذا إلا صوت المنشفة الذي يئز في زجاج النوافذ، المنشفة إذن هي كيان هامشي في العالم، ومهم في النص الذي ينهض على حالة العزلة بالأساس، فهي هنا أداة مقاومة يمكن لفعلها أن يغير مصير الكائن.
يقول الشاعر محمد الدميني في قصيدته "ملاك الحسرة":
سلاما
أيها المفكر
لقد انتهت الحفلة وانتصبت الأشباح
وقريبا سيحدث الموت أمام عينيك
وستندلق عليك المواعظ الطويـ..
الطويـ ..
الطويلة
من المنابر المجاورة
ستصنع القصائد من الرمل
وفي الحيرة ستبنى البيوت
وعلى القضبان ستنتحب خيولنا المتعبة (
[11])
العزلة نفسها قائمة في الأسطر السابقة؛ حيث تبدو حالة الاحتفال وقد قاربت على الانتهاء، وبنهايتها تنطلق الأشباح، ويبدأ الكائن الشاعر / المفكر/ المثقف/ في انعزاله، وتبدأ الثقافة المحيطة التي تمثل الحالة الطبيعية (أي الحياة المعتادة خارج حالة الاحتفال) تبدأ في تأكيد عزلة الكائن بسكب المواعظ الطويلة بصورة مملة، جسَّد إملالها تقطيع الكلمة على ثلاثة أسطر، في المقابل تسيطر حالة من الإجهاد والعبثية على وعي الشاعر الذي يصوره وصف القصائد المبنية على الرمل، قصائد هشة أمام حالة الاقتحام والإملاء المنبرية التي تصيح بها ثقافة بأكملها، ولا إقامة لوعي الشاعر إلا في بيوت تبنى في أرض الحيرة والتساؤل والإحساس بفقدان البوصلة. الخيول أيضا تكشف عن السياج الذي يحيط بالكائنات المفكرة، السياج الذي عندما تقف عليه الخيول تكون قد أنهكت، بما يضمن بقاء هذا النوع من الكائنات في عزلته خلف أسوار صنعتها له الثقافة المحيطة.
من المدهش في الأمثلة السابقة سيطرة حالة من اليأس قرينة بالعزلة والوحدة والاغتراب، حالة من اليأس الذي يمثل مستراحا وملاذا كالعزلة، يمكن أن نلمح المعنيين في قصيدة عبد الله السفر "ها أنت على المشارف". يقول:
ماذا كنت تظن، وأنت تترجل في الغبار، وتدفع بقدميك في أرض تميد.. حراسك الوحدة وبضعة وجوه تستحضرها من همس الورق بحبر باهت؛ يخفى.. يتخفى حتى عنك. أتظنه العمر. (
[12])
الذات الشاعرة هنا تتجسد راجلا يضرب بقدميه في أرض غير ثابتة، وتأتي الوحدة هنا كحارس أمين، تماما كالعزلة التي يلجأ إليها الكائن في قصيدة أحمد كتوعة. يكمل الشاعر نصه بما يفضح حالة اليأس قرينة الوحدة والغربة. يقول:
تقف بجناحين ضاويين، وسريرة مشقوقة نثارها بعدد أوراق التقويم محقونة بالخيبات لانتظارٍ ما عاد انتظارا سوى أنك تعودت على طعمه المر كشايك الذي تقترفه كل صباح مخلوطا بمرارة التكرار ومقعد الوظيفة، سترة الأولاد ولقمة الحياة. تتعقل كثيرا قبل أن تركل المقعد وتلتمس هواء الجنون لمرة واحدة وحيدة. تدفع بالمتكأ وتهمس للريح أن تضمك، تطويك إلى غير هذه الأرض.(
[13])
الرغبة أن تضمه الريح وتذهب به إلى غير هذه الأرض تفضح الاغتراب، واحتساء الشاي بصورة منتظمة مملة بما يشبه الجرم "اقتراف"، والخضوع للتكرار ولمقعد الوظيفة يفضح إحساس الذنب الذي يستشعره لأنه استسلم للنمط المحيط وللحياة في صورتها الأكثر تقليدية، والأجنحة الضاوية تكشف عن هزيمة هي الوجه الآخر لليأس. يحطب كل ما سبق في حبل العزلة التي تبدو قدر الكائن الرافض للاندماج ضمن ثقافته.
لكن يبدو أن الشعور بالاغتراب وما ينشأ عنه من شعور بالعزلة– بدرجة أو بأخرى- هو قدر المثقف الحقيقي، المثقف الذي يأخذ على عاتقه-دون أن يحمله أحد ذلك- أن يقف ضد حالة الجمود الجمالي والفكري، وضد التعميمات التي تضبب الرؤية أكثر مما تجليها. يقول إدوارد سعيد:
"ومن المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل بين البشر."(
[14])
وأحسب أن شاعر قصيدة النثر الذي تناولت نماذج منه في هذه الدراسة، هو نموذج ممتاز للمثقف، لذلك فهو يبدو مسئولا عن مقاومة الجمود و"التعميمات الاختزالية" بحسب تعبير سعيد، ولكن عبر وسيط جمالي لغوي ذي محتوى فكري معقد. العزلة التي يتفنن شعراء النثر الذين تعرضت لهم في تصويرها هي موقف وجودي اختياري فضله هذا الجيل على الاندماج مع ثقافة يتناقضون معها بعمق، ويشعرون بعجز أمام سيطرتها ويأس عميق من تغييرها. وهو الموقف الذي يجسده قول إدوارد سعيد:
"المثقف أو المفكر يجد نفسه في عزلة، لكن هذه العزلة خير من الصحبة التي تعني قبول الأوضاع الراهنة على ما هي عليه."(
[15])



*** بحث قدم في ملتقى نادي جازان الأدبي 1430

[1] أحمد كتوعة، كرة صوف لفت على عجل، دار الجديد، بيروت، ط1/ 1996، ص 18.
[2] إبراهيم الحسين، خشب يتمسح بالمارة، دار الجديد، بيروت، ط1/ 1996، ص 66.
[3] إبراهيم الحسين، السابق، ص 70.
[4] هذه التراكيب كلها من ديوان أحمد كتوعة السابق، صفحات: 9، 10، 11، 21 بالترتيب.
[5] محمد الحرز، رجل يشبهني، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1 1999، ص 13.
[6] يمكن أن نضرب المثل بتفكيكية جاك دريدا التي تسعى في جانب منها إلى تجاوز الرؤية الفلسفية التقليدية التي تنظر للعالم عبر ثنائيات متضادة هي من صنع الوعي الإنساني غالبا وليست من طبيعة الأشياء.

[7] أحمد كتوعة، كرة صوف لفت على عجل، مرجع سابق، ص 49.
[8] شريف بقنه، مدن العزلة، ضمن:
- عبد الله السفر، محمد الحرز (محرران)، يصرون على البحر: شعربات سعودية، منشورات البيت، الجزائر، ط1/ 2007، ص 124.
[9] السابق، ص 77.
[10] إبراهيم الحسين، خشب يتمسح بالمارة، مرجع سابق، ص 51.
[11] محمد الدميني، "ملاك الحسرة"، ضمن:
- يصرون على البحر، مرجع سابق، ص ص 244-245.
[12] عبد الله السفر: ها أنت على المشارف، ضمن:
- يصرون على البحر..، مرجع سابق، ص 149.
[13] عبد الله السفر، المرجع السابق، ص 149.
[14] إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ت: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص 19.
[15] إدوارد سعيد، المرجع السابق، ص 29.

الأربعاء، 30 يوليو 2008

البوادي: المكان بوجه الماضي والآني معاً / د.عادل ضرغام



ربما يكون مقررا أن الشاعر المعاصر لم تعد تشده الموضوعات الكبرى , التي كانت تشد الشاعر في لحظات سابقة مثل الوطن والحب والوجود , وإنما أصبح الشاعر المعاصر ـ وشاعر قصيدة النثر علي وجه الخصوص ـ مرتبطا بالذات في تشظيها وانكسارها وآمالها وإحباطاتها,وفوق ذلك سنجد أن الشاعر المعاصر , لا يهتم بالذات في إطارها العام , وإنما يهتم بالجزئيات الخافتة , وكأن الاهتمام بهذه الجزئيات إعلاء لشأن الذات وإثبات لخصوصياتها وإدراكها المتميز , وهذا الإدراك المتميز هو الذي يصنع الفارق , ويجعل الشعور بالفن مختلفا من لحظة إلي آخري , فالشعرية ليست ساكنة , وإنما هي متحركة فهي تارة تسكن الموضوع والالتحام بالآخر , كما يمكن أن نجد لدي صلاح عبد الصبور , وتارة تسكن الهامش , بفجاجته , ولكن هذا الهامش حين يقدم شعريا , ومن وجهة نظر خاصة يصبح موضوعا شعريا بامتياز !....
والقارئ لديوان البوادي لعيد الخميسي , الذي ينطلق أساسا من الوعي الخاص بالمكان , ومن وجهة نظر لا يمكن الإمساك بها بسهولة , يدرك أن الديوان يحاول تشكيل عالم مندثر أو اندثر ,ولكن يعاد خلقه وتكوينه بهيئات مختلفة في كل مرة , فالتكوين أو الهدم لا يتم في الأماكن أو المباني , وإنما يتم من خلال البشر , واختلافهم من جنسية إلي جنسية , فكل جنسية لها سماتها الخاصة , ومن ثم تكوّن ـ في فترة ما ـ طبقة جيولوجية معينة , تخلق ذاكرة خاصة لها , والديوان ـ في إطار هذا التوجه ـ ليس إلا محاولة لبناء طبقات جيولوجية وثيقة الصلة بالمكان , وهذه الطبقة لها ذاكرة خاصة, والديوان يحاول استعادة هذه الطبقات وتثبيتها داخل المتلقي ,لكي يخلق روحا أو أفقا شعرية لهذا المكان , وكأن هذه الطبقات المتوالية علي المكان تؤثر في الآني وتحضر في القادم , يتجلي ذلك واضحا في قصيدة فم المريض :
هو ذاته الفم الذي يضحك ويمتلئ بالحكايا والشعوذات ...
التي لن تصل لعابر انفتح أمامه , لبرهة , شق الباب الأزرق
فولجه
كما ولج مصريون بملابس مرحة ووجوه ملطخة بالأسمنت مرتين
( منتصف السبعينات وبداية التسعينات)
ولجه أفغان بأرجل مقطوعة وعمائم لشجيرات بيضاء مقلوبة
وعبروه وهم يجسون الشوارع
المكان في النص الشعري , ليس مكانا أو حيا فقط , وإنما الذي يعطي هذه المكان وجهه الماضي والآني , هم البشر , الذي يصنعون للمكان ألقه وروحه ووجوده, ويقدمون له ذاكرة لصيقة بهم .
إن الحديث عن أفق الذات في الديوان يجب أن يكون حديثا ذا خصوصية , وذلك لأن الديوان ـ أو شعريته- اختطت من البداية أن تكون موضوعية حيادية قائمة علي الحكي والسرد والاستعادة,ومع ذلك فإن حضور الذات بشكل خاص يأتي واضحا في بعض القصائد , ففي قصيدة ( تخطيط ) :
في الرسم البدائي للبيوت
لا يمكنك أن تجمعها في إطلالة واحده :
أدوات العمل البالية هذه ,
الخطوات التي تبتعد ,
البيت ذو النافذة الخشبية والتي ما عادت تفتح.
..........الرسم البدائي للبيوت
لم يخف كثيرا
شخصية الفنان
نجد أن المتلقي لا يستطيع أن يصل إلي جمال هذه الطبقة من طبقات الحي بذاكرتها إلا إذا استعار عين المبدع , وأطل من خلالها , ومن خلال وجهة النظر التي تبدت فاعلة بشكل غير علني , وإنما تبدت من خلال التوقف عند بعض الجزئيات , التي يمكن أن يكون لها تأثير في محاولة اصطياد عبق غير واضح , فالرسم البدائي للبيوت لم يقض تماما علي شخصية الفنان. والبحث عن صوت الذات أو انحيازها غير الواضح في إطار هذا النسق الحيادي الموضوعي , يتطلب قراءة واعية للديوان بكامله , كما في قصيدة ( فم المريض ) , حين يصور النص الشعري الباب الأزرق , الذي أصبح علامة علي هذا الحي :
الباب الأزرق الجاهز والمستعد كل لحظة
الذي كان يبيعه محل علي شارع الستين
واشتري منه كل القاطنين أبوابهم
تكفينا هذه السنوات لنحكم علي نزاهته
علي أنه خفيف حقا ومصنوع بإحكام
أو يصور ذلك الترابط الحميم بين الإنسان والجدران في قصيدة ( الطريقة ) :
تلك الجدران
اكتفينا بأن نمسد ظهرها ونحن نرفع أعناقنا قليلا ونتبادل التحية
الخارج والداخل :
إن تشكيل حي البوادي في النص الشعري في هذا الديوان , من خلال تثبيته داخل وعي المتلقي تم من خلال نهجين مهمين , تم الاتكاء عليهما لتشكيل طبقاته الثلاث بمراحلها المخلفة , بداية من ( التكوين ) ,ومرورا بالإحساس بهذا التكوين ,وكأنه تجل أصبح ناجزا وجاهزا , وانتهاء بالمغايرة والاختلاف عن التكوين الأولي , فكل مرحلة من هذه المراحل شكلت طبقة خاصة بذاكرة خاصة .
أما النهج الأول , فالشاعر ـ من خلال سرد حيادي قائم علي الانتقاء ـ قدم صورة خارجية لهذا الحي , مرتبطة بأبنيته الشعبية والبدائية , وبأبوابه الزرقاء التي أصبحت ميزة كاشفة عنه , وتجلي ذلك في قصائد عديدة مثل ( أرض فضاء ) ,والعشب بأنواعه المختلفة كما في قصيدة ( غرفة بجدران بيضاء ) , أو الإشارة إلي التكوين البشري المتعدد في إطار التشابه والاختلاف من خلال العباءة , كما في قصيدة ( بلا عناء ) :
هذه العباءات التي لم تجتمع في مخيلة بائع
أو هفوة شارع مزدحم
ازدحمت هنا بلا عناء .
إن حركة المعني في النص الشعري السابق تأتي كاشفة عن طبيعة أصناف سكان الحي , وتوزع الأصناف إلي فئات عديدة , تختلف باختلاف العباءات , فهذا التوزع الكرنفالي يأتي ليكشف عن تعدد جنسي خاص , يشكل طبيعة هذا الحي , المشدود إلي التوحد والتفرد في آن .
وفي النهج الأخير نجد أن الشاعر في بعض القصائد يتوقف عند جزئيات ربما تكون كاشفة عن طبيعة هذا الحي من الداخل , مع الإلحاح علي أن الداخل والخارج لا ينفصلان , ولكن الفارق يكمن في وجود السارد الفعلي في النص وكونه مشاركا بالحضور الفاعل أو بالمراقبة الحيادية , ففي قصيدة ( حكاية قديمة ) , نجد أن السارد الراصد موجود ومشارك , ومع أن القصيدة تنتهج نسق التغييب, إلا أن المتلقي من خلال الوقوف عند بعض الجزئيات الموحية , يستطيع أن يلم بأطراف الحكاية , وتكون هذه الحكاية صورة خاصة للحي , وهذه القصيدة نموذج للشعرية التي تظهر بالرغم من محاولة التخفي أو التستر .
وهناك قصائد عديدة في إطار هذا المنحي الكاشف عن طبيعة البنية الداخلية لهذا الحي , مثل قصيدة ( بقع ) ,وهي قصيدة وإن كانت تكشف عن سلم تراتبي اجتماعي لسكان الحي , إلا أن أهميتها الكبرى ترتبط بفكرة الديوان الرئيسة المهمومة برصد ما لا يرصد أو تكديس ما لا يكدس , من خلال الاتكاء علي أن رصد الحاضر لا يمكن أن يتم إلا من خلال استحضار الماضي أو الوعي بالطبقة أو الذاكرة السابقة :
منذ المرة الثالثة التي ظلت تنجب أطفالا موتي
تدفن أطفالها في ذات المكان الذي اغتسلتُ فيه طفلا
لم يلحظ الأنين ولا البقع غير المنتظمة في صبة الحمام
كما لم يلحظها المستأجرون الجدد بعد ذلك
فالشاعر ـ في هذا النص الشعري ـ يؤكد علي أن المكان كإطار حاوٍ وجامع للبشر , يتأثر ويتغير سمته , بفعل البشر , فهذا الفعل المرتبط بدفن الأطفال في ( الطاقة ) وهي ظاهرة كانت موجودة في الريف قديما , وإن كانت تدل علي فعل تراتبي اجتماعي , موح إلي حد بعيد بقيمة المكان وطبقاته السابقة , التي تطل فاعلة في تشكيل واقعنا الآني .
السرد والحكي واستعادة الماضي :
عيد الخميسي من خلال ديوانه البوادي , استند إلي تقنيات عديدة , لكي يعيد تشكيل طبقات عديدة متوالية لهذا الحي , وهذه الطبقات في معرض دائم للتغير , فهذا الحي لا يظل علي وتيرة واحدة أو شكل ثابت .
وقد استند الشاعر إلي جزئية مهمة ترتبط بالبساطة , فالشاعر ـ علي سبيل المثال ـ لم يستخدم لغة شعرية استعارية بشكلها العلني المقرر مسبقا , وإنما استخدم لغة تنتهج البساطة سبيلا , وهذه اللغة تحتاج من المتلقي إلي إصغاء تام وإلي رصد يقترب من رصد عدسة الشاعر, حتي يدرك مواطن الجمال , وهذه البساطة اللغوية كان لها دور فاعل في إسدال نوع من الحميمية في رصد الأشياء , فالجمادات أو الأشياء المادية في هذا الديوان ليست جمادات أو أشياء مادية , وإنما ظهرت بوصفها كائنات حية لها حضور فاعل في تشكيل إحساس خاص بهذا الحي , بداية من أنواع النباتات أو الأعشاب , ومرورا بالأبواب والشبابيك وانتهاء بأسماء المواضع , فالمكان لا يمكن أن نأخذ صورة واضحة عنه إلا إذا أحسسنا بهذه الأشياء المادية دافقة في أركانه , وهذه الأشياء هي التي تعطيه سمته النهائي .
وارتباطا بهذه البساطة التي أشرنا إليها سابقا, سنجد أن شعرية الديوان تنتهج نسقا سرديا راصدا , واستخدام تقنيات السرد في إطار فن الشعر ليس شيئا سهلا ,كما يتصور البعض , فالشاعر الذي يعمد إلي ذلك مطالب أن يشعرك في كل لحظة بالشعر والنثر في آن , والشاعر الذي يستخدم آليات السرد في النص الشعري , وهي آليات لا تملك وجودا قائما بذاته , مطالب ـ أيضا ـ أن يكيف هذه الآليات حتي لا يشعر المتلقي بأن ما هو سردي قد أثر علي ما هو شعري , وحتي لا يكون هناك وقوع في قبضة الثنائية الفنية .
والديوان من بدايته إلي نهايته مملوء بالقصائد التي تشير إلي أن آليات السرد لها حضور واضح , مثل قصيدة ( أعمامي ونفر آخرون ) , و ( حكاية قديمة ) , و( وفم المريض ) , و( بقع ) , و( عائدة ) ..........
ولكن الشيء المهم في هذه القصائد ,يتمثل في أن آليات السرد المستخدمة في النص الشعري , لم تفض إلي ترهل بنائي يمكن الوقوف عنده , وإذا كان الشعر قد يستفيد من السرد التفصيلات المثيرة الحية , فإن الشاعر عيد الخميسي , قد عمد إلي اختيار اللقطة الكاشفة , بالإضافة إلي أن سرده لم يكن تتابعيا , ففي أغلب قصائده نجده يعتمد علي آليات تقطع خطية الزمن وتمدده المعهود , لأنه لا يهتم بخطية الزمن أو التمدد المعهود , وإنما ينصب اهتمامه الأساسي علي اختيار لقطة كاشفة تكون وثيقة الصلة بطبقة جيولوجية أو ذاكرة محددة لهذا الحي , ففي قصيدة ( راعية ) :
الراعية التي تسوق غنمها علي مهل وهي عائدة قبيل المغرب
بقربة شبه فارغة وعصا وكل ما يلزم لزى راعية عام 73 ه
في المشهد الذي سارع لالتقاطه تجار صور جائلون
لم يصلهم ضيق الراعية من رائحة ملابسها
تأففها ...ألم قدميها المشققتين وجوع بطنها
أو أنهم قاموا بحذف هذه العناصر
نجد أن المتلقي سوف يلاحظ للوهلة الأولي الإصرار علي تفصيلات حية , تأتي كاشفة عن طبيعة الصورة , وهناك تركيز علي تفاصيل بسيطة المقصود منها إكمال عناصر الصورة , ولكن المهم- في ذلك السياق ـ أن الشاعر لا يعتمد سردا تراتبيا , فهناك حالة من الارتداد والاستباق في آن , لتقديم عوالم مختلفة , فالراعية بلحظتها الآنية ليست منفصلة عن لحظات سابقة شكلت تأففها وألم قدميها وجوعها , وكذلك المصورون ـ بطبيعتهم ـ يختارون ما يناسبهم , فيحذفون ما يعكر صفاء النموذج أو جمال الأيقونة .
فاستخدام السرد في إطار النص الشعري , استخدام محسوب , مرتبط بقدرة الشاعر علي اختيار لقطة كاشفة , وارتباط هذا الاختيار بالتكثيف , حتي لا يكون هناك ترهل سردي,يقضي علي حرارة ما هو شعري ..
وإلحاح الشاعر ـ في هذا الديوان -علي استخدام لغة تتسم بالبساطة وآليات السرد , أثر بالضرورة علي الآليات الفنية , التي يقدم الشاعر من خلالها نصه الشعري , فليس هناك تعمد واضح لخرق نسق المواضعة اللغوية , ولا تقديم استعارات علنية , فالشعرية في هذا الديوان تعتمد علي التعبير البسيط الموحي , الذي يشكل ـ إن استحضره المتلقي ـ ميزة جمالية تقوم علي البساطة والتقرير بعيدا عن الجماليات المقررة والمؤسسة في شعريات كانت تمثل تجليات سابقة .